ابن ميثم البحراني
404
شرح نهج البلاغة
أقول : هذا الفصل قال عليه السّلام في بعض أيّام مرضه قبل موته وسيأتي شرح حال مقتله ووصيّته في فصل أطول من هذا وأليق بذكر الحال عنده إنشاء اللَّه بعده وفجأه الأمر : أتاه بغتة . والقارب : طالب الماء . وقيل : هو الَّذي يكون بينه وبين الماء ليلة . وقد وصيّ عليه السّلام بأمرين هما عمود الإسلام وبهما يقوم : أحدهما : أن لا يشركوا باللَّه شيئا . وهو التوحيد الخالص ، والشهادة به أوّل مطلوب بلسان الشريعة كما سبق بيانه . والثاني : الاهتمام بأمر النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم والمحافظة على سنّته . وقد علمت أنّ من سنّته وجوب اتّباع كلَّما جاء والمحافظة عليه فإذن المحافظة على كتاب اللَّه من الواجبات المأمور بها بالالتزام . وظاهر أنّ إقامة هذين الأمرين مستلزم للخلوّ عن الذمّ ، ولفظ العمود مستعار لهما ملاحظة لشبههما بعمودي البيت في كونهما سببين لقيام الإسلام وعليهما مداره كالبيت على عمده ، وخلاكم ذمّ . كالمثل . يقال : افعل كذا وخلاك ذمّ : أي فقد أعذرت وسقط عنك الذمّ . ثمّ نعى نفسه إليهم ، وأشار إلى وجه العبرة بحاله بذكر تنقّلها وتغيّرها في الأزمان الثلاثة ففي الماضي كان صاحبهم الَّذي يعرفونه بالقوّة والشجاعة وقهر الأعداء وعليه مدار أمور الدنيا والدين ، وفي الحاضر صار عبرة : أي محلّ عبرة . فحذف المضاف ، أو معتبرا . فأطلق اسم المتعلَّق على المتعلَّق مجازا ، وفي المستقبل مفارق لهم . ثمّ أردف ذلك ببيان أمره مع قاتله على تقديري فنائه وبقائه ، ويشبه أن يكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير فأنا وليّ دمى ، وروى : أولى بدمي فإن شئت أقمت القصاص وإن شئت عفوت فإن أعف فالعفو لي قربة وإن أفن فالفناء ميعادي فإن شئتم فاقتلوا قاتلي وإن شئتم تعفو فالعفو لكم حسنة فاعفوا ، لكنّه ذكر قسمي بقائه وفنائه ثمّ عقّبهما بذكر حكمهما مقترنين واقتبس الآية في معرض الندب إلى العفو ترغيبا فيه . ثمّ أقسم أنّه ما أتاه من بغتة الموت وارد كرهه ولا طالع أنكره . وصدقه في ذلك ظاهر فإنّه عليه السّلام كان سيّد الأولياء بعد سيّد الأنبياء . ومن خواصّ أولياء اللَّه شدّة محبّة اللَّه والشوق البالغ إلى ما أعدّ لأوليائه في جنّات عدن . ومن كان كذلك كيف يكره وارد الموت الَّذي